ابن أبي الحديد
83
شرح نهج البلاغة
الحلول حصول العرض في حيز المحل تبعا لحصول المحل فيه ، فما ليس بمتحيز لا يتحقق فيه معنى الحلول ، وليس بان يجعل محلا أولى من أن يجعل حالا . ورابعها : انه لا يوصف بالغيرية والأبعاض ، أي ليس له بعض ، ولا هو ذو أقسام بعضها غيرا للبعض الاخر ، وهذا يرجع إلى البحث الأول . وخامسها : انه لا حد له ولا نهاية ، أي ليس ذا مقدار ، ولذلك المقدار طرف ونهاية ، لأنه لو كان ذا مقدار لكان جسما ، لان المقدار من لوازم الجسمية ، وقد ثبت انه تعالى ليس بجسم . وسادسها : انه لا انقطاع لوجوده ، ولا غاية ، لأنه لو جاز عليه العدم في المستقبل لكان وجوده الان متوقفا على عدم سبب عدمه ، وكل متوقف على الغير فهو ممكن في ذاته ، والباري تعالى واجب الوجوب ، فاستحال عليه العدم ; وأن يكون لوجوده انقطاع ، أو ينتهى إلى غاية يعدم عندها . وسابعها : أن الأشياء لا تحويه فتقله ; أي ترفعه ، أو تهويه ; أي تجعله هاويا إلى جهة تحت ، لأنه لو كان كذلك لكان ذا مقدار أصغر من مقدار الشئ الحاوي له ، لكن قد بينا انه يستحيل عليه المقادير ، فاستحال كونه محويا . وثامنها : انه ليس يحمله شئ فيميله إلى جانب ، أو يعدله بالنسبة إلى جميع الجوانب ، لان كل محمول مقدر ، وكل مقدر جسم ، وقد ثبت انه ليس بجسم . وتاسعها : انه ليس في الأشياء بوالج ، أي داخل . ولا عنها بخارج ، هذا مذهب الموحدين ; والخلاف فيه مع الكرامية والمجسمة ، وينبغي أن يفهم قوله عليه السلام ( ولا عنها بخارج ) انه لا يريد سلب الولوج ، فيكون قد خلا من النقيضين ، لان ذلك محال ، بل المراد بكونه ليس خارجا عنها انه ليس كما يعتقده كثير من الناس ; أن الفلك الأعلى المحيط لا يحتوي عليه ; ولكنه ذات موجودة متميزة بنفسها ، قائمة